الدبلوماسية الثقافية والسياحية المصرية: المتحف الكبير نموذجًا للقوة الناعمة

من أهرامات الجيزة إلى المتحف المصري الكبير، تمضي مصر قدما في بناء قوتها الناعمة بثقة، لتجعل من الثقافة والسياحة جسرًا للتأثير العالمي في عهد الجمهورية الجديدة.

بقلم المستشار حسام الدين علام


وسط أجواء احتفالية وطنية تُعيد إلى الأذهان روعة مشاهد افتتاح متحف الحضارات بالقاهرة وطريق الكباش بالأقصر، تواصل مصر كتابة فصلٍ جديد في مسيرة نهضتها الثقافية والدبلوماسية عبر مشروع المتحف المصري الكبير، الذي يجسّد روح الجمهورية الجديدة ويعبّر عن قوتها الناعمة في أبهى صورها.


ففي خضمّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستوى الدولي، لم تعد أدوات التأثير والدبلوماسية مقتصرة على السياسة والاقتصاد، بل امتدت لتشمل ما يُعرف بـ«القوة الناعمة» التي تتجلى في الثقافة والسياحة.

وفي إطار الرؤية التحديثية الشاملة التي تتبناها الدولة المصرية، أصبحت الدبلوماسية الثقافية ودبلوماسية السياحة من الركائز الجوهرية لاستراتيجيتها في بناء الصورة الوطنية، وتعزيز التأثير الخارجي، وجذب الفرص التنموية والاستثمارية.

ومن بين أبرز تجليات هذه الرؤية الطموحة يبرز المتحف المصري الكبير، ليس بوصفه مجرد مشروع أثري ضخم، بل باعتباره توقيع حضاري يعكس قدرة الدولة المصرية على تحويل تراثها العريق إلى أداة للتنمية والتأثير الدولي المتوازن.

إنها لحظة تتجاوز حدود الاحتفال بافتتاح متحف جديد؛ فهي تجسيد عملي لفلسفة الجمهورية الجديدة التي تؤمن بأن الحضارة ليست ماضيًا يُروى، بل مستقبلٌ يُبنى بثقةٍ وجدارةٍ على أرض مصر.

أولاً: الدبلوماسية الثقافية ودبلوماسية السياحة – مفاهيم وأهمية

تشكّل الدبلوماسية الثقافية أحد أهم محاور القوة الناعمة للدول المعاصرة، إذ تقوم على توظيف التراث والفنون واللغة والقيم المشتركة في بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم والتقارب الإنساني. وهي بذلك لا تُعنى فقط بتبادل المعرفة، بل تُسهم في صياغة الصورة الذهنية للدولة في الخارج بوصفها حاملةً لرسالة حضارية وإنسانية. وفي الحالة المصرية، تبدو الدبلوماسية الثقافية امتدادًا طبيعيًا لميراثٍ حضاريٍ فريد، تمتزج فيه عراقة التاريخ بروح العصر، حيث تسعى مصر إلى استثمار رصيدها الثقافي الهائل لتأكيد حضورها الدولي كمنارةٍ للفكر والإبداع والإنسانية.

أما دبلوماسية السياحة، فهي الوجه الآخر لهذه المعادلة، إذ تستخدم السياحة كأداة دبلوماسية واقتصادية وثقافية في آنٍ واحد. فكل زائر لمصر لا يعود فقط بانطباع عن جمال آثارها، بل بحكايةٍ عن عمقها وكرم أهلها وريادتها الحضارية. ومن ثمّ، أصبحت السياحة قناة فاعلة للتواصل بين الشعوب ومصدراً متجدداً للدخل القومي يعزّز مكانة الدولة على الساحة الدولية.

وتكمن أهمية الدمج بين الدبلوماسيتين الثقافية والسياحية في قدرتهما على تحقيق معادلة متكاملة تجمع بين الهوية والتنمية، وبين التأثير الثقافي والعائد الاقتصادي. فحين تستثمر الدولة في ثقافتها وتعرضها للعالم من خلال السياحة المنظمة والمستدامة، فإنها لا تحافظ على تراثها فحسب، بل تحوّله إلى قوة ناعمة تُعزّز صورتها الدولية، وهو ما تُجسده بامتياز رؤية الجمهورية الجديدة التي تجعل من الثقافة والسياحة معًا جناحين لنهضة مصر الحديثة ومصدراً متجدداً لرسالتها العالمية.

ثانيًا: جهود الدولة المصرية – المتحف المصري الكبير نموذجًا حيًا

يُعد المتحف المصري الكبير أحد أهم المشاريع الوطنية التي تُجسّد تطلّع الدولة المصرية إلى بناء نهضة ثقافية ومعمارية حديثة تعبّر عن روح الجمهورية الجديدة، وتؤكد أن الحضارة المصرية ليست ماضيًا يُروى، بل حاضرًا يُبنى ومستقبلًا يتواصل مع العالم. فالمتحف، القائم على مقربة من أهرامات الجيزة، يُعتبر أكبر متحف في العالم مخصّص لحضارة واحدة، ويقدّم بانوراما متكاملة لتاريخ مصر الممتد عبر سبعة آلاف عام من العطاء الإنساني والإبداع الحضاري.

يضمّ المتحف أكثر من مائة ألف قطعة أثرية فريدة، من بينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرة في مكان واحد، إضافةً إلى تمثال رمسيس الثاني الذي يستقبل الزائرين في البهو العظيم، ومجموعات ضخمة من الكنوز الملكية والمعابد والبرديات والأواني الذهبية. كما يحتوي على قاعات عرض عملاقة مزوّدة بأحدث تقنيات العرض المتحفي، ومراكز بحث وترميم تُعدّ من الأكثر تطورًا في العالم، ومناطق تعليمية وثقافية تستهدف ربط الأجيال الجديدة بجذور الحضارة المصرية.

وبهذا يتحوّل المتحف من مجرد صرح أثري إلى مركز عالمي للمعرفة والبحث والحوار بين الثقافات.

وقد حرصت الدولة المصرية منذ انطلاق فكرة المشروع على تنفيذ جميع مراحله وفق أعلى المعايير الدولية من حيث التصميم والإدارة والبنية التحتية، ليكون المتحف واجهةً مشرفة لمصر أمام العالم، تُجسّد دقة التخطيط وقوة التنفيذ، وتعكس قدرة الدولة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة في مشروع حضاري يليق بتاريخها العريق.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، قامت وزارة الخارجية المصرية بدور محوري في الترويج للمتحف على الساحة الدولية، إذ وجّهت بعثاتها وسفاراتها في الخارج إلى تكثيف جهود التعريف بالمتحف كمشروع إنساني عالمي و«هدية من مصر إلى العالم». كما جرى التنسيق مع المنظمات الثقافية الدولية والمؤسسات الأكاديمية والإعلام العالمي لتسليط الضوء على هذا الحدث الاستثنائي، إلى جانب استقبال عدد من القادة والشخصيات الدولية البارزة خلال الافتتاح في إطار يعكس عمق الدور الدبلوماسي للدولة المصرية في تعزيز حضورها الثقافي العالمي.

أما على المستوى السياحي والاقتصادي، فقد أصبح المتحف المصري الكبير عنصرًا رئيسيًا في تطوير خريطة السياحة المصرية، إذ يُتوقّع أن يستقبل ملايين الزوار سنويًا، بما يسهم في إنعاش السياحة الثقافية، وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية في منطقة الجيزة والمشروعات السياحية والخدمية المحيطة بها. كما يوفّر المشروع آلاف فرص العمل، ويعزّز مكانة الثقافة والسياحة كأحد أهم محركات الاقتصاد الوطني في الجمهورية الجديدة.

إن افتتاح المتحف المصري الكبير لا يمثل مجرد إنجاز أثري أو هندسي، بل هو إعلان حضاري وإنساني يعبّر عن قدرة الدولة المصرية على تحويل تاريخها إلى رسالة حية، وتراثها إلى قوة مؤثرة في الحاضر والمستقبل.

فالمتحف المصري الكبير يُجسّد رؤية الجمهورية الجديدة التي ترى في الثقافة والسياحة جسرًا للتواصل الإنساني، وأداةً لترسيخ مكانة مصر كقلب نابض للحضارة الإنسانية ومركزٍ عالميٍ للسلام والإبداع.

آفاق مستقبلية للمتحف المصري الكبير

لا يتوقف تأثير المتحف المصري الكبير عند كونه إنجازًا حضاريًا حاليًا، بل يمتد ليُشكّل محورًا مستقبليًا لتطوير المنطقة المحيطة به وتحويلها إلى مدينة ثقافية وسياحية متكاملة. فالمشروعات الجارية في نطاق الهرم والجيزة تهدف إلى إعادة تخطيط البيئة العمرانية والمواصلات والمرافق لتتناسب مع المكانة العالمية للمتحف، بحيث يصبح المركز الثقافي والسياحي الأهم في إفريقيا والشرق الأوسط.

كما يُنتظر أن يشهد المتحف تعاونًا واسعًا مع المؤسسات الثقافية والمتاحف العالمية في مجالات البحث العلمي، وحماية التراث، وتدريب الكوادر المصرية والدولية في علوم الترميم وإدارة المواقع الأثرية. وتعمل الدولة المصرية على أن يكون المتحف المصري الكبير مركزًا للحوار الحضاري بين الشعوب، ومقصدًا للمؤتمرات الدولية والمعارض العالمية التي تُبرز الدور الإنساني لمصر كجسرٍ بين الحضارات وملتقى للثقافات.

إن المستقبل القريب يحمل وعودًا كبيرة بأن يتحول هذا الصرح إلى منارة عالمية للفكر والتراث والابتكار الثقافي، تعكس رؤية الجمهورية الجديدة في أن تكون مصر دولة تُلهم العالم بثقافتها، وتُعيد تعريف علاقتها بالحضارة الإنسانية كقوة بناء وسلام.

 

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المستشار حسام الدين علام
علي ابو دشيش
محمود الحصري
محمود الحصري
المستشار حسـام الدين علّام

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

التفاعلية… القوة الخفية للإعلام الجديد!

يتميز الإعلام الجديد أو الرقمي بالتحول الجذري في طبيعة الاتصال، إذ انتقل الجمهور من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك...

"سنوحي.. حكاية 'ابن الجميزة' اللي هرب من الموت عشان يخلده التاريخ"

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...